قصيرة ولكنها تشبه القصص

خذلان۲

تتعالي أصوات الأمواج المتلاطمة معلنة سيطرتها علي مملكة الظلام لتلك الليلة التي أنسحب فيها القمر إلي مخبأه مسرعاً معلناً هزيمته أمام سحب قاتمة منحت القوة لشريكها الغاضب ليفيض و يهلك كل من يجرؤ علي الأقتراب من ضفتيه . يسري كشريان يتوسط الجرف السحيق و تتخله صخور حادة تمنح مظهره المزيد من القسوة والشر

وعلي مسافة ليست بقريبة مني ولكنها أقرب للحافة رأيتها تقف كما عهدتها . وقفت صامدة كتمثال تاركة العنان لخصلاتها الطويلة لتتراقص علي نغمات غاضبة و من حين لأخر تخفي ملامحها التي لم أرها حتي اليوم . وعلي الرغم من ثباتها المخيف إلا أنها كانت تستدير علي أستحياء من حين لأخر لتنظر نحو المجهول . يستدير وجهها نحو نفس الجهة في كل مرة

وبينما ابحث عن ذلك المجهول لتكتمل لوحتي المثالية أو لأخمد نار الفضول التي أشعلها هدوءها صعدت هي الجسر الخشبي المتهالك الذي يصل حافتي الجرف . صعدته في ثقة و ثبات و بالطبع لم يرض عنها الشريكان الغاضبان . وكيف يسمحا لغيرهما بأن يتخذ أي قرار الليلة حتي و أن تعلق القرار بحياته . تعالت أصوات الموت و ارتعد الجسر خوفاً

أضطربت حركة رداءها الوردي و أصبحت حياتها في خطر محقق و علي الرغم من ذلك رأيتها صامدة تحاول الحفاظ علي توازنها . تتمسك يداها الصغيرتان بحافتي الجسر ممثلتين في حبال غليظة و تخطو خطوتين نحو الجهة المقابلة و تجمد مكانها ثم تستدير نحوي لعلها تراني ألوح لها . أناديها و يعلو صوتي ولكنه لا يتجاوز حنجرتي . عاجزة عن الصراخ أحتضن حلقي في خوف ولكنها تستدير و تتابع السير بعد أن رأيتها . بعد أن أستدارت نحوي لتأكد مخاوفي

هل هذا ممكن . كيف لها أن تشبهني

أصررت علي الأقتراب و بعد عدة خطوات أصبحت عاجزة تماماً عن الحركة . أصرخ لعلها تسمعني و تجيبني و لكن هيهات . أتذكر عدد المرات التي رأيتها فيها تقف هناك . أتذكر يوم أقسم لها أنه يفضل أحتضان تلك الصخور الحادة علي تخليه عنها

علي كل حال فَضلتُ مراقبتها في صمت

تابعت صدرها صعوداً و هبوطاً و أدركت كم الخوف الذي تعانيه . ربما عصف بها الرحيل و الخذلان وربما عصفت بها الوحدة . قد كان بأمكاني تخيل قساوة العاصفة داخلها والتي أخضعتها علي ركبتيها . أنهارت قواها و أستسلمت للهزات المتواصلة للجسر الهزيل . أضاءت السماء كأنه نهار رأيت فيه دموعها تزحف ببطء علي وجنتيها الورديتين ثم تعالت أصوات الموت مرة أخري

أنتشلتني صراخاتها المتواصلة من بركة خيالاتي ولكن كيف لها أن تصرخ بشفتين مطبقتين

حاولت التحرك نحوها مرة أخري ولكن كانت هناك قوة تمنعني . شبح مجهول يحتضن قدماي و يكتم صوتي . حاولت الصراخ مرة أخري ولكن تلك القوة وقفت حائلا دون ذلك . وبدأ الألم يعتصر قلبي . أحتضنت ذلك القلب المتألم و انهارت دموعي في صمت رفعت بصري أليها و أذا بها تتمسك بالحبال الغليظة مرة أخري و ترتفع تدريجيا نحو السماء في ثقة ثم بدأت في التحرك مرة أخري نحو وجهتها

خُذلت العاصفة أمام قوتها فكفت السماء دموعها و هدأت حركة الاشجار و تراجعت الأمواج المتلاطمة نحو قلب النهر علي أستحياء و أستمرت هي في التحرك بخطوات ثابتة واثقة

رداءها الوردي تخللت المياه أنسجته وأثقلت حركته و شعرها أحتضنها بقوة رافضاً مغادرتها و بدت هي كحورية بعثت إلي الحياة حديثاً ولكنها كانت أقرب إلي حورية تنبض بالموت بدلا من الحياة كملاك حزين ينتمي إلي عالم أخر
عيناها الجامدتان تبعثان الريبة إلي نفسي
تجاوزت الجسر الخشبي بسلامة و لكنها خذلتني حين ألتفتت مرة أخري للبحث و تعلقت عيناها بنقطة ثابتة للحظات . ظننتها تجاوزته ولكن الأمر ليس بتلك السهولة
أستدارت لتكمل طريقاً بدأته وحدها و مع كل خطوة تتخذها كانت تجبر العاصفة علي أن تجثو لها

أستيقظت من نومي باكية لا أفهم . هل كانت أنا أم هي فقط تشبهني ولم تبكي بهذا الشكل

صوته الهادئ يتخلل أفكاري ولكنني لست بخير

هل كانت نفس الفتاة التي أعتادت زيارتك

أعتقد ذلك

منذ متي بدأت في زيارتك بأنتظام

منذ تزوجنا .. ولكنها اليوم أرادت أن تخبرني بأمر مختلف و لكننا تجاوزنا منتصف الليل علي أي حال لذا عيد زواج سعيد يا عزيزي

ضمني أليه و ردد بعض العبارات التي يؤكد بها أنه سيبقي هنا للأبد و لكن قلبي لا يقبل التصديق هذه المرة . لم أكن لأمنع دموعي . ” لم تبكي يا حمقائي الصغيرة . أتعلمين سأعد لنا أحتفال مميز . لم أكن لأتخيل زواجنا يدوم لعامين متواصلين . كيف تحملت ذلك الشعر المجعد لعامين يا تري ” يسخر مني كعادته و يحاول أن يدفعني للأبتسام

أبحث عن مصدر الضوء الخافت الذي ينعكس علي وجهه للحظة ثم أجيب

في المرة القادمة سأحضر لك زوجة صلعاء لأنها سوف تليق كثيراً بك

أحتضنني بقوة أكثر و كأنه بذلك يريد تعذيبي بالسجن داخل صدره ” لا أحتاج زوجة صلعاء بقدر ما سأحتاج وسادتك الصغيرة خلال طريقي “. تنهدت حسناً فليكن كذلك ولكنها الليلة ستكون لي