قصيرة ولكنها تشبه القصص

خذلان ٤

راقبته في صمت . تتحرك عيناه بين مفكرة صغيرة دون بها كل ما سيحتاجه في رحلته الطويلة و بين حقيبته التي رفضت المشاركة في تجهيزها قبل اليوم . يراجع ترتيبي للأغراض المكتوبة . ينتقل من نقطة لأخري ثم يرسم خطاً ليؤكد أنه مر من هناك

لم أكن لأتمسك بالكلمات أكثر من ذلك فتركت العنان لمشاعري أخيراً ” هل عليك الرحيل ” تسألت في خجل

بالطبع علي ذلك . ولكن سأعود بسرعة لا تقلقي

أجابة خاطئة لم أكن أنتظرها أو ربما لأنه لو ألتفت نحوي ليخبرني أياها لأدرك مدي خوفي و لكنه أنشغل عني ببعض القطع التي قمت أنا بترتيبها . وسادتي الصغيرة تنتظر مثلي . ترقد إلي جوار حقيبته في صمت و لكنها أكثر حظاً مني فهي سترحل معه و سأبقي هنا وحدي . تحركت من فوق سريري نحوها أحتضنتها علي عجلة ثم عدت لمكاني مرة أخري . ” لا لست قلقة ولكنني فقط سأشتاق لوسادتي ” فلتغب أو تعد فهذا لا يهم إن تركت لي الوسادة التي أحبها

أستدار و بدأ يخطو نحوي حتي وقف في مواجهتي بالكامل . وقف هناك بداخل دائرتي الصغيرة لحظات ” لن تشتاقي لي أليس كذلك ” أسند ركبتيه إلي الأرض و جلس بينما هو ينظر مباشرة داخل عيناي ” هل أنتي متأكدة من ذلك ” قالها و هو يميل برأسه نحو اليمين قليلاً ثم حرك يساره نحو وسادتي ولكنه أراحها عليها فقط . أقتحم دائرتي و ها هو ينفذ إلي روحي . تلك النظرة و طريقته في الحديث يؤكدان معرفته لكل ما يدور داخلي . يفقدني توازني و تختل عباراتي ” أ أ .. أبدأ صدقني ” و أدرت وجهي نحو النافذة

سأعود و معي وسادتك و الأهم أنني سأعود . سحب وسادتي و وضعها داخل الحقيبة ثم أحكم أغلاقها و غادرني ليكمل أستعداده للرحيل

أحمق لا يعلم كم سأشتاق أليه


 

فراش مألوف و غطاء ناعم يحتضنني . يد دافئة تتحسس جبهتي بحنان و صوت هادئ يقتحم زويا عقلي ” هل أنتي بخير يا صغيرتي ” نبرة مميزة يمتلكها والدي تجمع بين الحنان و الصرامة . صوته العميق يتردد ليزيل كل الشوائب المعلقة بعقلي . يصمت العالم من حولي حين تتعلق عيناي به . تجاعيد متوازية تتوسط جبهته البيضاء و تتقاطع طرقها علي أستحياء بين الحين والأخر

لا أعلم يا أبي . أمي هلا تغلقين النوافذ رجاءاً

ألا تتذكرين أي شئ يتسأل و أجيبه في هدوء لا

تتابع صور من الليلة الماضية و لكنني لا أذكر ما حدث . أذكر الظلام و الوسائد و أذكر كم كنت أشتاق إليه

صور تذكرني كيف أندفعت نحو باب الغرفة . نعم ربما حاولت أستعادة توازني حين سقطت و أصطدمت جبهتي بالحافة الخشبية للطاولة بينما أسرع نحو الباب

تتحرك بهمة لتعيد كل شئ كما كان ” هل كان هناك سبباً وراء كل تلك الوسائد الملقاة بلا هدف في أركان الغرفة ” تتعامل معي كطفلة . بالصراخ تظن أنني سأستمع لها وربما أطيعها خوفاً . ولكنها كاذبة أسرعت لتزف إلي الخبر فرحة كيف لي أن أطيعها

أريد أن أبقي بمفردي لبعض الوقت وهلا تركتي الوسائد رجاءاً

ماذا تعنين بذلك . أتظنين أن البقاء بمفردك شئ جائز . لقد سقطتي و أصطدمت جبهتك . أنتي خرقاء تعجز حتي عن الحفاظ علي توازنها . لو لم نسرع لنجدتك لتحولتي لخرقاء فاقدة الوعي . و ما قصة الوسائد هل فقدتي عقلك لتلقي بكل شئ هكذا . أم فقط عدتي طفلة صغيرة تحتاج علي الدوام لمن يرتب غرفتها

توقفي عن الصراخ ارجوكي . أحتاج إلي بعض الخصوصية . كما أن هذه غرفتي لأفعل بها ما أشاء

توقفا الأن

صغيرتي سننتظر بالخارج . تجيهز حقيبتك ليس من شأننا ولكن سنغادر هذا البيت سوياً

أنهي حديثه بما لا يدع مجالأً لكلمات أخري . أشار أليها لتتبعه بينما هو يغادر الغرفة دون أن يستدير نحوي

صراخي لن يفيد الأن و كلماتي لن تغير من موقف والدي الحاسم . أنظر نحو الطاولة الخشبية اللعينة و أفكر ” هل كان علي أن أسقط بهذا الشكل المهين ” . مئات العبارات تعصف في داخلي و أتحرك في فراشي لعلها تهدأ ولكن لا جدوي . أسحب المرآة المجاورة و أنظر لجبهتي التي تتوسطها بقعة زرقاء جديدة . تبدين في غاية القبح يا صغيرة . جمرات تشتعل داخلي لن يطفئها وجودهم حولي ولكن كيف لي أن أخبرهم بذلك . أمي لن تتوقف عن الصراخ و أبي سيطلب الأسباب التي لا أملك اي منها . ولكن علي أن أتصرف بسرعة . لم أحتج الكثير من الوقت لأقف قبالة والدي مرددة في حزم

لن أترك بيته قبل أن أودعه . سأودعه و أستمع أليه أولا . أليس هذا ما ربيتني عليه منذ كنت صغيرة

حاولت الحفاظ علي هدوئي بينما يراقبني أبي في صمت . لحظات صمته مرت طويلة جعلتني أترقب و أنتظر محاولة الحفاظ علي وجهي الجامد الذي أخاف أمي بدورها ولكن أظن أن أكثر ما أخافها هو تعليق أبي

حسناً ليكن كذلك ولكننا سنعود بعد يومين . سنترك لكي حق الوداع و لكن صدقيني لن يخبرك ما يغير الواقع

رده الحاسم و طريقته في جذب أمي بينما يتحرك نحو الباب بدا لي كمحاولة منه كي يدفع بي للأبتسام أو ربما هو فقط يبعد أمي ليتجنب صوتها المرتفع و صراخها المتواصل