قصيرة ولكنها تشبه القصص

خذلان ٦

لقد كنت ولازلت أماً صالحة هي لم تجرب الحياة مع أمي و جدتي علي عكسهم ربيتها علي الاخلاق و أحترام النظام دون الحاجة لأستخدام العنف و حاولت بقدر استطاعتي استخدام الاساليب الحديثة في التربية فتركت لها حرية أختيار ما ترغب في دراسته فقط لأنها أخبرتني بأن هذا ما سيجعلها سعيدة و بالطبع تنازلت عن رغبتي فقط لتظل هي سعيدة علي عكس أمي لم ارغمها علي الزواج في سن مبكرة و ما أن أشرقت لهذا الاحمق حتي بذلت كل ما أستطيع لتزويجهم 

أتذكر كيف دفعتني أمي للزواج بعد تقدمه لخطبتي بأسبوع . تاكدت هي من سيرته الحسنة و خلقه القويم و لان والدي توفي العام السابق ارادت أمي التخلص مني بأي شكل حتي لا يتحدثوا عني بالسوء . خافت أمي من جيراننا و كلماتهم اللاذعة 

بكيت يوم زفافي قبل أن تستيقظ أمي و تمنيت ان يعود ابي ليحتضنني و يوقف تلك المسرحية السخيفة و تمنيت كثيراً ان اذهب اليه . و حين استيقظت امي كنت علي اتم الاستعداد بلا دموع و لا حزن كنت أقوي مما تخيلت ربما لأن فكره الهرب منها و منهم هي ما سيطر علي في تلك اللحظات فزوجي طبيب يعمل في أحدي الدول العربية ولن أضطر لزيارتهم الا مرة كل عام . أكدت لنفسي ذلك و انا في الطريق لأصبح زوجة الطبيب علي حد وصف أمي 

ليشهد الله أنه لم يكن الا زوجاً صالحاً دلل صغيرتنا و كان الاب الذي تمنيته لنفسي ولكنه بالغ في تدليلها منذ تأكدنا من مرضها و اصبح يلقي علي كل اللوم حين توجب عليها البقاء في مصحة عقلية ربما كان هذا هو سبب كرهي لتلك المصحة الملعونة التي وقع عليها الاختيار علي الرغم من نظافتها و شدة أعتناءهم بها و حرصهم علي صحة صغيرتي طوال فترة بقاءها هناك

نهر صراعات يفيض من عقلي و أفقد بسببه قدرتي علي التمييز بين محتويات الهاتف  . تؤلمني ركباتاي من وضع القرفصاء الذي أتخذته لساعات أبحث و انقب عن ما قد يفيد في هذا الهاتف و بعد كل هذا الوقت الطويل لم اجد سببا يدفعهم للجلوس كالمسحوين وراء تلك الشاشات الصغيرة . المساحات التخزينية الكبيرة التي يحملونها بين ايديهم تحوي الكثير و كونها مخفية و محمية في أكثر الاوقات يضعون فيها ثقتهم

لكنه لم يكن كذلك الهاتف غير محمي تزين جميلتي شاشته الصغيرة 

عزيزتي … أين أنتي 

هنا في الغرفة . ماذا حدث 

يظهر من الباب بنصف جسده الايمن فقط و يبدأ ” لقد اتصلت صغيرتي و طلبت مني لقاءها  ” و يتابع ” علي الاسراع  لذا هل تسمحين بأعداد قميصي الرمادي  ” لم أجب أو لم أعرف بم علي أن أجيب 

  هل ستذهب معها لهذ اللقاء .. ربما عليك أن تمنعها من الذهاب . ذهابها لن يغير من الأمر شيئا . رأيت علامات الحيرة تعلو ملامح وجهه و ببطء تحرك نحو الكرسي الصغير المقابل للفراش و بينما هو يجلس ببطء تحركت لبقعة الفراش المقابلة له حتي اصبحنا في مواجهة بعضنا  و أسند مرفقيه إلي ركبتيه و أراح ذقنه علي راحتي يديه و أنحني بظهره للأمام قليلا بينما لم تتغير نظرته الحائرة ” و ماذا علي أن أفعل ” ورغم أنني أستشعرت صدقه إلا أنني لم اجب بسرعة 

صمتت لحظة قبل أن أبدا عتابه ” يمكنك أحضارها للبيت و بهذا الشكل ستبقي تحت ملاحظتنا ”  علي الأرجح لم يرضيه ذلك لأنه تحرك للخلف قليلا وأستقام ظهره و غير من وضع ذراعيه تحول معهما رقم ثمانية  الي شريطي سكة متوازيين حين اراح كفيه علي ركبتيه تابعته وانا افكر كيف له ان يحافظ علي استقامة ذراعيه في لحظة متوترة كهذه و بينما أنا علي وشك الصراخ ” لقد كان خطأك  و أنا فقط أريدها هنا إلي جواري  “ و لكنه زاد من أحكام قبضته اليمني حتي أن ركبته التي تم التمسك بها بدت و كأنها تستعطفني بينما يده الاخري لا تبالي بما يحدث 

تابع حديثه قائلاً  ” أعلم أن في هذه المرحلة بالذات لن يعود الراحل و لكن نحن لا نملك أي خيار الا مساندتها لقد قام كل منا بمحاولة لجعلها سعيدة بطريقته الخاصة حتي و إن أختلفت الطرق و لكن  الوجهة المشتركة و حبنا لها جمعنا مرة أخري و الأن أنا أحاول بطريقتي و سأطلب منك مشاركتي طريقي . هل تتخلين عن غرورك لحظة من أجل صغيرتنا فقط  ” . تمسكت بصمتي و لكن اصابع  يده المرهقة من الأحكام سرعان ما تحركت بهدوء و حنان فوق خاتم زواجنا 

تبدلت نظرته الحائرة بأخري يائسة و تحول ببصره للأرض و تابع ” النتيجة الوحيدة لخياراتنا المتعاكسة تتعذب و أما أن تقبلي بخططي أو تقترحي ما هو أفضل منها ” . سحبت يدي من بين اصابعه العابثة ” أسفة لن أستطيع مرافقتك ” و تابعت بينما أنسحب الي جلستي الأولي ” انا احاول مساعدتها و انت تبالغ في تدليلها ليس إلا ” أجاب بالصمت و سحب الكرسي الصغير بقوة مما أصدر صوتاً  أغمضت له عيناي تقززاً لأفتحهما علي الفراغ الذي تركه غيابه

أحاول العودة للهاتف الصغير لكن صورة صغيرتي  تمزق قلبي  . بالطبع أشتاق لها و حقا أريدها أن تصبح بخير اضع الهاتف جانبا و تدور التساؤلات أليس هو ذلك الأب الذي سمح لها بالبقاء وحيدة و لكن لا لن أفكر


سلم خشبي راق ذلك الذي يؤدي لبيتهما يوحي  بالرفاهية علي الارجح . رفاهية الحياة بالقرب من الارض وبالطبع لا نحتاج مصعداً لنصل أليهما و هو ما يضيف الي بيتهما ميزة اخري فمع تقدمي بالعمر و اجتياح المرض ساقي أصبحت الادوار العالية و مسافات السير الطويلة ما اكره و بالطبع أزداد كرهي للاطباء باستثناء زوجي الذي لا يضيع وقته الثمين في أبداء ملاحظات متعلقة بصحتي ليس لأنه لا يهتم ولكنه علي العكس يهتم لدرجة تجعله يتجنب ذلك ربما لأنه خير من يعلم بم قد أجيبه أن حاول اسداء نصيحة مماثلة  . كم أبدو مضحكة الأن وانا اتباهي باحترام زوجي أو خوفه مني حتي و أنه قادر علي تحمل ثورة بركان لأجلي و لكنه  لن يغامر و يسدي نصيحة قد يكون ضررها أكثر من نفعها و لربما تؤدي لنوبة غضب صغيرة لذا فإنه يكتفي بترشيح بعض زملاء دراسته و أكتفي أنا بأختيار أحدهم ثم نغير محور حديثنا كأن لم يبدأ ابدا

باب شقتهم المغطي بلون أقرب لكوب من القهوة بدون حليب . عجبا لذوقهم و لكن لا يهم لإنه علي أن أسرع قبل أن تعود . أفتح باب القهوة علي عجالة و أتسلل للحظات قبل أن أتذكر أن المنزل خال و أن الوقت هو العامل الأهم الأن . أسرع نحو الغرفة التي تقع علي يميني و التي لولا خوف صغيرتي من الظلام لما بدت محتوياتها من بعيد بهذا الوضوح . ” إن كنت أحتفظ بدفتر لليوميات أين سأخبئه ” . أبحث في خزانة الملابس و بالتحديد أسفل الملابس المطوية بعناية ثم أنتقل إلي المكتب الذي يقع في نهاية الغرفة يساراً بعد تجاوز السرير الذي يتوسطها . القليل من الأدراج و لا شئ يذكر . أتجول بعيناي في الغرفة فتقع علي درجين صغيرين في أحدي زوايا الأريكة الواقعة أسفل النافذة الكبيرة . أسرع نحوها و أفتح الأول و لكنه ملئ بصور لصغيرتي و زوجها الأحمق لا أملك الكثير من الوقت لذا أحرك يدي بينهم علي عجلة حتي أري نسخة من تلك الصورة التي توسطت الهاتف . تلك الصورة التي بدت فيها صغيرتي سعيدة

 أحتضنت الصورة و أسندت ظهري إلي حافة النافذة و بينما أنا كذلك بدأت رحلتي مع الذكريات