قصيرة ولكنها تشبه القصص

خذلان٧

مرت الأعوام سريعة منذ رأيت أخر أبتسامة مشرقة لها . لم تكن صغيرتي بهذا الحزن و الصمت دوما و لكن كانت لها أبتسامة واسعة قادرة علي أيقاف الزمن حولها . تصبح هي مركز الأحداث و المكان ما أن تظهر صف أسنانها العلوي القادر علي أصابة من حولها بضربة مباشرة في القلب . ضربة قد تصيبك بعدوي السعادة و البهجة و ربما تصيبك لعنة الحب . أما نحن فقد بدأت لعنتنا الخاصة يوم رأينا تلك الأبتسامة المسببة بتخرجها من الجامعة التي درست فيها بشغف ما أختارته و رغبة تعارضت مع ما أخترته لها و كانت النتيجة الوحيدة لذلك هي تفوقها الذي جاوز أقرانها الذين ربما لم يملكوا حق أختيار مجال دراستهم بل فرض عليهم لأسباب مجتمعية

تابعت تفوقها الدراسي بسعادة جعلتني أتاكد من خطأي حين حاولت فرض عليها مجال دراسة مختلف ربما لأرضي غروري و أتباهي بها أمام جيراني و أقراني أو ربما لتحقق أحلامي بدلا من أحلامها . سحرتني سعادتها بالتخرج و تفاجأت برغبتها في الأستمرار و الحصول علي درجة عليا بجانب وظيفتها المستقبلية في الجامعة . أردت التأكد من أنني لم أخطئ السمع و أكدت هي مركزها الأول وسط أقرانها مما لا يمنح مجالا للشك في أن ذلك المنصب سيصبح لها

خمسة أعوام مرت علي البسمة التي توسطت الوجه الملئ بالأحلام و الطموحات . رأيت في عينيها الجميلتين الثقة و الحماس و كأنها تصرخ في و جهي و وجه مجتمعي ” سأفعلها و سأثبت لكم أنني أستحق ما هو أفضل من الأطار الذي تحاولون وضعي فيه ” لن أنكر سعادتي بكل هذا و لكن ربما أعلن مجتمعي سيطرته حين حصل زميل لها علي المنصب . لا أملك الكثير من التفاصيل لأنها رفضت التحدث بخصوص هذا الأمر و حتي رفضت محاولات والدها لأقناعها بالسفر للدراسة في الخارج . ربما كان والد زميلها الاحمق أو والدته أحد استاذتهم بالجامعة و هو بالفعل أحمق لأن صغيرتي سحقته سابقا حين تعلق الامر بدراستهم و ماذا عنه هو علي الأرجح طفل مدلل حصل علي منصبه نتيجة لعلاقة قرابة أو شئ من هذا القبيل

مرت الاعوام التالية لتلك البسمة مريرة

في البداية رفضت الخروج لمواجهة الحياة و لم يفرض والدها عليها الحصول علي وظيفة مما زاد الأمر تعقيداً . تحولت غرفتها المرتبة ذات الالوان الزاهية تدريجياً لمكان حتي الحيوانات ترفض سكناه و هذا بعد أن أنقلب نهارها ليلا وليلها نهار . تارة ترفض الاكل و تارة تقبل عليه بشراهة . تطلب منا الخروج معها للتنزه يوما و قد لا نراها اليوم التالي لانها نائمة و ازدادت حالتها سوءا فهي تعاني من الصداع يوميا و أصبحت المسكنات رفيقاً لها . فقدت ما يقارب ربع وزنها خلال ستة أشهر فقط و تحولت لمومياء تتحرك بيننا . تخبرنا أنها حمية جديدة غرضها الحصول علي جسد مثالي حدثت تلك التغيرات بسرعة حاولتُ تبرير ذلك بحزنها علي ذلك المنصب اللعين و لكن جاء عزيزي الذي لم ينس يوما كونه طبيب ليخبرني بأنه علينا أخضاعها لفحص نفسي لأن لديه بعض الشكوك التي رفض أطلاعي عليها حينها بالطبع رفضت فتجاوزني و تصرف دون مشورتي

حدثت تلك التغيرات بسرعة حاولتُ تبرير ذلك بحزنها علي ذلك المنصب اللعين و لكن جاء عزيزي الذي لم ينس يوما كونه طبيب ليخبرني بأنه علينا أخضاعها لفحص نفسي لأن لديه بعض الشكوك التي رفض أطلاعي عليها حينها بالطبع رفضت فتجاوزني و تصرف دون مشورتي

أذكر أيضا يوم جاء قلقاً يخبرني بأن خطورة الوضع تجاوزت تصوراته . قالها بعبارات باردة و عينان تسترقان النظر إلي عيني المذعورتين . أستخدم يومها الكثير من المصطلحات الطبية التي لم أفهم أي منها , بدأت دموعي تنهمر في صمت حين أتي علي ذكر تلك المصحة العقلية التي أسسها أحد أصدقاءه البارزين في مجاله بعد عودته من الخارج ” ليست مستشفي تضم المجانين علي العكس هي مكان ملئ بأشخاص يعانون حالة حزن مشابهة لتلك التي تمر بها و جميعهم ينتمون لعائلات مرموقة و صغيرتنا فقط تحتاج لبعض الهدوء و السكينة و ربما لتنشق بعض الهواء المنعش و هم لديهم مساحة خضراء ستعجبك و سيخرجونها للتنزه بالأضافة لبقاءها تحت ملاحظة صديق أثق فيه و أودعها أمانة عنده بعد الله ” . يومها أستخدم حالة حزن ليصف ما تمر به صغيرتنا حين لاحظ علامات الأستفهام التي تتقافز من عيني في كل مرة أستخدم فيها مصطلح طبي لم أفهمه

تكرر الألم الذي شعرت به يومها . فتحت عيناي و توقف شريط الذكريات . و ضعت كلتا يداي علي وجهي ملتصقتان من جهة الخنصر فتحولا لقناع تنفس صغير يحتضن سبابته أنفي و يستند أبهاماه علي وجنتي برفق حاولت تنظيم أنفاسي التي بدأت في التسارع ثم حركت اليدين منفصلتين لأزيل بقايا دموع مر علي ذكراياتها الكثير

أسندت ظهري لنافذة غطتها الستائر السوداء بالكامل . هل يتجاوز الضوء كل هذا السواد نهارا ليعلن للغرفة عن بداية جديدة أم أنا في مكان يتساوي نهاره و ليله . مكان ميت لا وجود فيه لفرصة جديدة , ينتظر هنا علي عتبة الزمن بين الموت و الحياة . بقيت هكذا لحظات حتي أدركت أنني حين غرقت في بحر الذكريات تمسكت بالصورة بقوة حتي تجعدت أطرافها

رفعت رأسي و بينما أنا أحدق في مكان نومها لاحظت حافة مثلثة لصندوق خشبي يقع بين الطاولة التي تجاور مكان نومها في الفراش . نهضت مسرعة لأن الأمر بدا لي مريبا و كنت محقة فلون الصنوق يماثل لون الأثاث تماما لهذا لم الحظه قبلا . صندوق مكعب بدا لي ردئ , جميع الجهات بلا نقوش تبدو كل جهة أشبه بلوح خشبي تم طلاءه حديثاً , مكعبان  تفاوتهما في الحجم ملحوظ احدهما ضعف حجم الاخر تقريبا  كلاهما يفتقد إحدي جهتيه ولكن ما ان يحتضنا بعضهما البعض يشكلا معا مجسم متكامل , لم يغير الزمن تلك اللمعة الخفيفة التي غطت سطحه بالكامل . أحاول فتحه و لكنني أفشل , أنه محكم الغلق . أعيد تفحصه و أعثر علي فتحة صغيرة في احدي الجوانب التي تمثل قاعدة الصندوق  . يحتاج لمفتاح صغير الحجم


 لم أدرك انه يحبها لتلك الدرجة حتي شاهدت ما يشغل هاتفه لهذا يرفض الرجال عبث زوجاتهم بها

بقيت هناك مستندة  إلي الجدار المزين من الداخل بطريقة تختلف عن مظهره الخارجي  . طريقة تجعل  نفس الجدار يمنح الكثير من الاحاسيس المتناقضة , بينما أنت في الخارج تسير عبر الطريق الرملي الممهد ترتفع الاسوار الداكنة المزينة بالقليل من آيات القرأن الكريم عن الحياة و الموت , جدران عالية تختلف في أشكال و نوع المادة التي صنعت منها البوابات فبعضها خشبي و أكثرها حديدي و لكن جميعها مغلق بأقفال يتجاوز حجمها قبضة اليد و علي أحدي جوانب البوابة تجد لوحة رخامية يزينها لقب أحد العائلات لتخبرك أن كل الغائبين عن موائد الاعياد ممن يحملون نفس اللقب يرقدون هنا في سلام . تلك الجدران التي تفصل الموت عن الحياة ترعب الاحياء لانها تذكرهم بالنهاية الحتمية لأكذوبة كبيرة

أستند إلي إحدي تلك الجدران المرتفعة و الذي أخترنا له من الخارج لون بني قاتم غير مثير للفضول و زُينت جهته الداخلية بكلمات الرحمة التي أختيرت بعناية بعضها لُون بلون السماء و البعض الأخر بلون عشبة صغيرة نقشت كلها بحروف تتمايل وسط لوحة ناصعة البياض , أعتقد أننا بذلك أردنا  أن يطمئن الاحياء الذين يأتون للزيارة بأستمرار أن موتاهم في مكان تغمر الحياة جوانبه . أما عن ألوان المقاعد الرخامية  فهي بيضاء نثر عليها الكثير من البقع السوداء الصغيرة تلاصق الجدران التي تأخذ شكل مربع كامل و تنفصل عنها عند الباب فقط . ليصبح للموتي مربع صغير يحيطه ممر رخامي ليمنح الاحياء فرصة التحرك بحرية حولهم و الجلوس علي أحدي المقاعد التي تحتضنهم