قصيرة ولكنها تشبه القصص

خذلان ۸

نغرق في الحياة ,  نحاول الاستمتاع بها قدر الامكان و نبحث مع كل يوم جديد عن طريقة لاشباع ملذات تظهر من العدم . تحدث إليها والدها يوماً بحريته المعهودة ” تجنبي الملذات يا صغيرتي فهي سلسلة من اللعنات المتصلة كل منها تؤدي إلي الاخري , تحاشيها , غذي خوفك منها  بقصة من أتبع ملذاته حتي واجه مصيره المرعب وحده . لقد عشت قائداً مسيطراً علي سفينة جسدي و المتحكم الوحيد في دفتها  تتعجبين حين أطلب منك فنجان قهوة واحد أسبوعيا و ربما كل أسبوعين علي الرغم من أن والدتك تشرب العديد منها في اليوم الواحد , تتهميني بكره القهوة و ترفضين شربها أسوة بي و لكنني يا صغيرة لن أدع فنجان القهوة يتحكم في حالتي المزاجية يغيرني تدريجيا . يتحدثون في التلفاز يوميا عن الادمان و يحذرون الناس عواقبه و يختصون بذلك بعض ما يسبب الادمان و من وجة نظري هي اشياء قليلة مقارنة بما تحيطنا به الحياة  .  اليوم أريدك أن تتعلمي التحكم في رغباتك و شهواتك  . لا تسمحي لرغبة مهما كانت بسيطة أن تسيطر علي أختياراتك , حالتك المزاجية أو الاسؤا تغير قلبك الحنون و شخصيتك النقية أو قدرتك العقلية علي تحليل الامور و الاشخاص ” تابعتهم يومها صامته 

و لعلني تذكرت كيف كان يحيطني والدي بذراعيه كل مرة أشكوه والدتي و قسوتها و يوم تمسكت به و بكيت بشدة في ملجأي المعتاد بين ذراعيه حين رفضت أمي زواجي من أبن الجارة الذي وقعت في حبه لأنه عامل بسيط في مصنع صغير للزجاج و كيف أهانت جارتها حين جاءت لتتحدث معها و تخبرها برغبة أبنها في التقدم لخطبتي و ربما لهذا لم أعترض علي خطبتهم بل و سعيت لتزويجهم  . كلمة الحب التي لم أعرف نوع المشاعر المفترضة لها  ولا هم عرفوا , كانت هي المبرر لمشاعرهم تجاه بعضهم البعض و منها انطلقت الرغبة في الزواج

أحاول الان تذكر عدد المرات التي أحتجت فيها والدي لكن الرحيل لم يكن خياراً أتخذه . هكذا هو الموت يأتي دون سابق أنذار . الموت الذي بدأ التسلسل بيننا يوم أخذ أبي و تبعه بأمي 

كانت قاسية بقلب حجري . لم أبك يوم وفاتها ربما لأن وفاتها أختلفت عن وفاة أبي . حين رحل هو أخذ معه كل الحب الذي أحمله في قلبي ولكن يوم رحيلها كان قلبي يفيض بحب جديد , حب الصغيرة صاحبة أجمل أبتسامة بالاضافة لمشاعر أخري منحتني السكينة نحو زوجي , مشاعر غير مألوفة ولم أفهمها ولكنها كانت هناك . أقمت الحداد لبضعة أيام ثم تجاوزت كل شئ . تجاوزتها و تجاوزت كل الألم الذي سببته لي كما واظبت علي الزيارة السنوية لها و عبارة شكر رددتها لأنني بفضل قسوتها تعلمت كيف أمنح قلبي القاحل فرصة ليزهر وروداً 

أندفع عقلي للتفكير في الراحلين وانا أراقب شاهد القبر الذي يحمل أسمها 

صغيرتي التي لم أخبرها قبلا أنها سبب حياتي , هدفها و الرغبة الوحيدة التي لم أستطع تجاوزها

رأيته يدلف من الباب المؤدي للساحة الواسعة . كان يتسلل مثلما يفعل اللصوص أو هكذا ظننت لانه كان يتحرك بخطوات غير مسموعة فلم ألحظ دخوله من وقع أقدامه بل إن أعتيادي الوحدة هنا هو ما جعلني لا أَلف وجود البشر حولي حتي أنني أصبحت قادرة علي تمييز وجودهم دون الحاجة للنظر , حضورهم يلوث هواء وحدتي , أكتفيت من وجودهم و أتمني أعادة الزمن لأجدها أمامي . في البداية كنت أتجنب ذلك اليوم و أتي ما دون ذلك من الأيام و لكن لهذا العام لم أرد لها أن تقضي ذلك اليوم وحيدة . ميلادها هو ما منحني الحياة و لم يكن لي أن أتركها وحيدة دون أحتفال و ربما هذا ما أدي بي إلي لقاء هذا المدعي 

 أستمر في التحرك بهدوء و علي استحياء , لم يتوقع علي الارجح رؤيتي ما أن يلتفت يساراً . علامات الارتباك تعلو وجه المتسلل و حركات جسده المتوترة توشي به . يحاول تبرير وجوده هنا و أنا صامته أراقبه حتي نفذت منه الأعذار . تحركت يده خلال خصلات شعره السوداء ” أنا حقا أسف لقد كان خطأي من البداية ” لقد كان صادقاً , رأيت الندم في عينيه ثم أشرت له بالجلوس علي يساري و حركت الصندوق الخشبي ليصبح أقرب إلي منه 

دقائق طويلة  تحمل الصمت و الالم بين طياتها

كيف بدأت معركتنا . تسألت و أنهالت علي الأجابات صفعات متتالية لم أحاول تجنبها بل أستقبلتها صامدة . هل كان صادقاً لم أعرف و لكنه أطلعني علي الكثير مما لم أعرفه عنها , كل ما ظننته كذبة كان لديه أثبات عليه حتي هاتفه الصغير كان يعرف عنها أضعاف ما عرفته طوال حياتي ثم مد إلي قبضته اليسري و تحسس الصندوق بيده اليمني , أرخي القبضة فظهر مفتاح فضي صغير ” لقد أهديته لها و أهدتني هي نسختي الخاصة من المفتاح و التي لم أسع لأستخدامها , خفت أقتحام عالمها الذي لم أفهمه ” و ذهب لتوديعها 

رأيته منكسر الفؤاد محني الرأس , حاول التقدم مرات  و لكنه في كل مرة كان يعود إلي نقطه وقوفه الأولي . في النهاية أنكسر شموخ الجبال و أنهار الغرور و بدأ الاحمق في السقوط حتي أستند بركبتيه إلي موضع وقوفه الأول و مال برأسه فبدا لي كمن يهمس لحبيبته سراً و يحاول بهذا أن يسرق لحظة يشعر فيها قرب أنفاسها 

يوم أرسل لنا وثيقة الطلاق ظننت أن كل هذا الحب تلاشي , ظننت أن الورقة التي أستلمتها هي نتيجة أتفاق مشترك بينهم و أن صغيرتي ستعود إلي ذراعي بعد أن أختطفها لمدة جاوزت العامين , أسرعت أزف لها الخبر و أطلب منها العودة لكن حدث ما لم أتوقعه . صعقت هي للخبر , أنفجرت صارخة عبارات لاذعة عبر الهاتف و مهما حاولت تهدئتها لم أفلح , أكدت أستلامي الوثيقة و أمكانية أيصالها لها بنفسي . أغلقت الهاتف و لم تجب بعدها  

و كان هذا سؤالي الأول الذي أجابه بأنها هي من قررت الأنفصال و قد حدث بعد أن تجاوزا العام ببضع أشهر مريرة و أنهما عاشا منفصلين بالفعل و تجاوز أنفصالهما نصف العام  و ما أن طرأ عمل له في الخارج حاول الأتصال بها و قام بدعوتها علي العشاء للأحتفال بذكري زواجهم الثانية لعلها تمنح علاقتهم فرصة أخري ولكنها رفضت لقاءه مما أثار جنونه و لعل غروره تحطم لأنه قام بتطليقها ما أن عاد بعد رحلة عمل ليست بالقصيرة

لقد ظننت أنني أعرف كل شئ عنها ولكن ماذا أرادت من الحياة منفصلة عن زوجها هذا ما لم أفهمه , ألم يكن هذا هو الشاب الذي ارادت الزواج منه  . حاولت حساب المدة التي عاشاها منفصلين فوجدتها تقارب العام , كيف نجحت في خداعنا كل هذا الوقت و الاسؤا كيف كذبت في كل مرة تأتي لزيارتنا فيها و لم يلحظ أي منا ذلك , هل كان خطأنا فلم ننتبه للتغيرات أم أنها أحترفت فن الخداع . عادت الاسئلة مرة أخري

تطلعت إلي الصندوق في فضول تحول إلي خوف ما أن تذكرت باندورا و ما جلبته إلي العالم نتيجة لفضولها ثم و كعادتي سرعان ما بررت رغبتي بأن تلك اللعنة سُلطت عليها و أنها بذلك جلبت الأمل الذي هو سبب أستمرارنا في الحياة و تقبلنا لها مهما كانت مريرة , فقط بالأمل