قصيرة ولكنها تشبه القصص

خذلان ۹

خذلان

هناك في الساحة الواسعة للجامعة كان يقف بثبات محدقاً لها و أبتسامة خفيفة تتوسط وجهه . عينان بنيتان تراقبان الحياة بهدوء و ملامحه الدقيقة قد تبدو صغيرة إذا ما قورنت بشعره الحريري الذي يمرر أصابعه خلاله بسرعة ولكنها تبدو مناسبة تماما مقارنة بوجهه البيضاوي الصغير . براءتها لم تعتد التحديق و سرعان ما بادلته نظرات مستفهمة و ضحكاتها المتتالية التي كانت تتفلت بها تجاهه كأنها تهديها له ونظرات أخري حائرة فاضت من عينين تخشين المواجهة . مزيج من مشاعر مختلطة عكسته عيناها بوضوح  . لقاء أول لم يدم لحظات و لكنه وقع عليها كالسحر ,  لعنة أصابتها و تأكدت منها في كل مرة رأته فيها بعدها  

مليئة بالمرح و السعادة تتراقص علي أنغام الحياة بشجن , مصدر مشع لبهجة تنتجها من العدم تفاعلات سرية تجري داخلها قادرة علي تبديل الاجواء الصامتة بأخري صاخبة . كأنها أول من زرع الله فيه مرض الابتسام , كانت هي أول المصابين به و خلقت من بعدها للعالم لتغير واقعه التعس وتعبر خلال المحاطين بالهالة السوداء , تنفذ إليهم بهالتها الزرقاء , تمتص شقاءهم و كل أسباب الحزن و ما أن تصل الجهة الأخري تخلف هالة زرقاء جديدة تحاوطهم و تحتضن قلوبهم الحزينة تنعش أرواحهم التي أوشكت علي الموت ثم تستكمل طريقها في الحياة كأنها لم تنقذ  لتوها روحاً . مصدر متحرك للحياة كما يجب أن تكون أو علي الارجح كانت تؤكد للجميع سوء أختياراتهم الحياتية 

استمرت لقاءات الاعين لأيام و شهور , عام طال عليها . تنتهي المحاضرات و يختار هو أحد الاركان البعيدة التي يمكنه منها مراقبتها بوضوح . تراه و ربما ترسل له أشارة بالأقتراب ولكنه لا يجرؤ , ينسحب بخطوات واسعة حتي لا تتمكن من اللحاق به 

طال العام و تكرر المشهد , هي بخبرة لا تتجاوز فتاة صغيرة و حياء كبير و هو بفضوله و أنسحابه . التكرار قتل بهجة اللقاء  حتي سأمت الخجل و كرهت الانسحاب . هل تخبر زميلاتها عنه أم تقف أمامه صارخة من أنت , أعياها التردد و تملكتها الحيرة  وكرهت رؤياه . أقتراب نهاية العام شغلها و تجاهلت كل مرة أتي لزيارة أفكارها فيها . أعتزلت التفكير فيه كي تحصد أرقامها المعتادة 

*****

 في تلك الليلة التي تألق فيها القمر بلون فضي و وجه مستدير مكتمل الملامح . تألقت هي  بفستان له لون سماء صيفية يبرز جمالها و شريطة رفيعة تحتضن الخصرالنحيف بحنان , يتسع تدريجياً حتي يصل لأكبر أتساع ممكن حين يلامس الأرض يشبه بذلك مظلة في مراحل أغلاقها الاخيرة . بدت كطفلة علي وشك الأحتفال بعيد ميلادها الثاني ,  طفلة ربما وقعت في حب سيندريلا و قررت الأقتداء بها لعل ذلك يجعل لقاء أميرها ممكناً . هي أهم مدعو في حفل التخرج و المشرح الأول لمنصب الجامعة . زُينت الجامعة  لتوديع أبناءها غير المرغوب فيهم , لفظتهم علي حين غفلة  قبل أن تعلمهم أي شئ عن الحياة

ما أن تعبر الباب الواسع المؤدي إلي مأساة التعليم هناك حتي تجد نفسك علي بداية طريق رئيسي ضيق يشتق عن يمينه و يساره عدة طرق تتجاوزه في الأتساع . أختاروا لهذا الطريق سجادة حمراء رفيعة تمتد بأمتداده و يحدها خطين متوازيين بلون الذهب و علي جانبي الطريق أصطفت بضع شجيرات صناعية لا يتجاوز طولها قامة طفل في الرابعة . كل شتلة أحضرت هنا بمناسبة الحفل في أصيص بلون قشرة جوز الهند و ستغادر بمغادرة الابناء بلا عودة و لكنها علي عكسهم قد تعود العام القادم لتوديع أبناء أخرين أما هم ستدهسهم الحياة بلا شفقة 

تبعت السجادة الحمراء في ثقة . من ناحيتها أرادت فقط التحدث معه , أستعدت جيداً و أستجمعت شجاعتها للمواجهة . تخلصت من يد والدها التي تعلقت بها حين أنتهي الممر إلي الساحة الواسعة للأحتفال . وتحركت نحو الزاوية التي وقف فيها مسرعة  “سأمد له يدي و سأعرفه بنفسي و ربما يدعوني لشرب كوب من القهوة ”  و بدأت هي بعبارة هادئة و نبرة صوت مترددة ” مساء الخير ” ولكنه لم يجب و لم تتغير نظرته الهادئة و حين مدت يدها لتصافحه ظل هو جامداً . قاطعها والدها لحظتها حين وضع يده علي كتفها الأيسر  ” عزيزتي  قد تكون والدتك مخطئة بما فعلته اليوم و لكن لا يمكنك الهروب منها بتلك الطريقة لأن الوقوف وحيدة في ليلة كهذا خيار غير مقبول ” و حين أستدارت لم يكن هناك … ماذا كان يعني بالوقوف وحيدة

النهاية 

أعود للبحث في الصندوق بعد أن تجاوزت المفكرات عثرت علي ثلاثة مظاريف أحدهم يحمل أسمي و لقب عائلتي و الأخر يحمل أسم والدها و الأخير كتبت عليه حبيب كان . دفعني فضولي كي أبدأ به و لكن ضعفه أمامها وقف حائلا دون ذلك . أتحسس المظروف و أقطع جانبه بحرص خوفاً علي محتوياته لأجد ورقة أخري وحيدة و قلادة ذهبية تحمل أسمها , أعرفها جيداً فقد أهديتها لها في عيد ميلادها الواحد و العشرين . أما عن الورقة التي تبدو كأنها تنتمي لنفس الدفتر التي أنتمت إليه الورقة  الأولي و لكنها تبدو أحدث منها كما أن الخط المستخدم ملئ بالتعثرات علي أني متأكدة من أنه يعود لها

كنت أعلم أنك أول من سيفكر في أقتحام ظلمة صندوقي أو هكذا كنت أتمني

لعلك تشتاقين إلي و لتعلمي أن شوقي إليكي أكبر  . علي الرغم من خلافاتنا التي لم تنتهي يوماً إلا أني أبدا لم أكره تلك النظرة التي أراها في عينيكي لأنني و لسوء حظي أشبهكي كثيراً . لا تتظاهري بالجهل فنظرتك الغاضبة لا تشبه نظرة أم علي وشك معاقبة صغيرتها بل تشبه نظرة شابة تجلد ذاتها علي خطأ أخفته عن الجميع و حين جاء وقت حساب النفس ندمت

أما عن التشابه بيننا و الذي كنت أدركه في كل مرة نتجادل فيها فقد بدأ مضحكاً و أنتهي مخيفاً و ربما كان هو ما يؤكد أنك تشتاقين إلي بينما يحتضنني التراب  .  هل ذهبتي لزيارتي مؤخراً ….. قد ترفضين الفكرة و لكنني سأكون هناك منتظرة أياكي في مكان ثابت محدد و ستجلس روحي بأرتياح فوق رمال تحمل دفء  الشمس و برودة وحدة جسدي تحتها و ربما أتبع خطواتك المتباطئة حين تهمين بالرحيل

تدركين الأن أني كنت كثيراً ما أستمتع بجدالي معك لسبب وحيد هو تحديد أوجه الشبه بيننا . كنت أميل ناحية والدي و أتطلع إليه في كل تصرفاتي علي الرغم من أني روحي كانت حبيسة فطرتي التي أبت أن تتخلي عنك

أعلم أن ما أرتكبته كان خطأ منذ البداية و انك ستلومينني علي تركك وحيدة و لكن صدقيني كنت أضعف من أتحمل المرض الذي ينهش عقلي و الذي أدركته قبل أن يفكر أبي في البحث علي طبيب ليأخذ رأيه في حزني و عزلتي  . كان علي أن أخبرك .. أعلم و لكن أغفري لي هذه المرة فلن تجديني إلي جوارك كي نتعاتب و ليس لدي وقت لشئ غير الأعتذار  و للمزيد من التفاصيل ستجدين ورقة في الصندوق أذا بحثتي جيداً  . كتبت بأهمال و دون أدني نظام و لكن وضعت فيها جزء مني و ربما تشرح لك لم تنازلت عن منصب الجامعة  . نعم تنازلت بكامل أرادتي فكيف أسمح لمريضة عقلية بتربية جيل من مخففي الألام . لذا أرجو منك التوقف عن ذكر زميلي بسوء فلربما كان هو أحق مني بذلك المنصب

حاولي جمع شجاعتك و قدرتك علي المواجهة بأسرع ما يمكن . أنا لا أعلم كم مر علي رحيلي و لكن لا تتركيني وحيدة لوقت طويل , مرحب بك كل أسبوع في زيارة قصيرة و بعد أن تتحدثي لي بلطف أطلبي لي المغفرة لربما أستحققتها  

سأشتاق لك كثيراً و ربما أتي لزيارتك في احلام تدفء ليل الشتاء البارد . أعتني به فهو لم يخطئ أبدا في حقي علي العكس كنت أنا سبب كل ما حطم قلبه و لكن تلك الحكاية سأحتفظ بها و ربما تتاح لنا فرصة التحدث بخصوص هذا الأمر في وقت لأحق . حين يتغير المكان و الزمان 

أما عن والدي أحيطيه بحب ينسيه مرارة فراقي ولا تودعيه نيابة عني . ستجدين في الصندوق خطاب سلميه له 

صغيرتك

كدت أنسي أن أطلب منك ألاحتفاظ بالقلادة نيابة عني . وضعتها هناك لعلك ترتديها لفترة أكثر مما فعلت . أيضا أتصلي به و قدمي له مظروفه الخاص و لا تصرخي في وجهه و لكن أبتسمي له أبتسامة من يشاركه نفس الألم  . مع حبي و تمنياتي لك بحياة طويلة هانئة